السبت, 12 مارس 2011 11:34

أسماء لمرابط ..مدافعة عن الإسلام بلسان غربي مبين

هي طبيبة مختصة في بيولوجيا الأطفال بالعاصمة المغربية الرباط، ولكنها وجه نسائي مغربي مشهور في أوروبا وكندا أكثر من المغرب. شروط عدة اجتمعت لتحقيق الشهرة، على رأسها اللسان الغربي المبين، فالدكتورة أسماء لمرابط تتقن الفرنسية والإنجليزية والإسبانية، وتتحدث طليقة بليغة، مع صوت جمع بين شيء من الصراحة والدفء، حسب تعبير دينيس كوتور، أستاذة العقيدة وعلوم الأديان بجامعة مونتريال بكندا، وهي ترحب بها في ملتقى حول شروط الحوار بين المناضلات النسائيات المسيحيات والمسلمات.

ولدت أسماء بالرباط، وفيه تابعت دراستها بالفرنسية، وهي متزوجة وأم لطفل واحد. اشتغلت طبيبة متطوعة لمدة ثماني سنوات بالمستشفيات الحكومية في أمريكا اللاتينية، خاصة بالشيلي والمكسيك، وهي ترافق زوجها في عمله الدبلوماسي.

مسلمة.. وكفى

انخرطت مبكرا في التفكير في إشكالية المرأة في الإسلام، وألقت محاضرات كثيرة حول الموضوع بأمريكا اللاتينية وكندا وأوروباصوت والمغرب. وهي الآن منسقة لمجموعة بحث وتفكير حول المرأة المسلمة والحوار الثقافي بالمغرب.

وترأس أسماء لمرابط، المجموعة الدولية للدراسة والتفكير في قضايا النساء في الإسلام. منذ الندوة الدولية الأولى للمجموعة في برشلونة الإسبانية يوم 22 سبتمبر2008.

وتهدف المجموعة إلى محاولة شق طريق جديد حول القضية النسائية الإسلامية يكون وسطا بين تطرفين، تطرف إسلامي متزمت وتطرف حداثي متفسخ.

ويوجد مقر المجموعة في برشلونة، وهي عضو في المجلس الوطني للنساء بكاتالونيا المرتبط بالحكومة الكاتالونية. ويضم المجلس مثقفات ومفكرات وجامعيات يمثلن المجتمعات المدنية القادمة من أوروبا وأميركا الشمالية وبلدان أفريقيا والمغرب العربي.

وإلى جانب الطبيبة والكاتبة أسماء لمرابط، توجد عالمة الاجتماع ورئيسة الشبكة الأوروبية للمسلمين مليكة حامدي ناطقة رسمية للمجموعة، كما توجد ياراتو الله مونتوريول نائبة هيئة الحوار الديني التابع لليونيسكو، كاتبة عامة للمجموعة، وهي إسبانية اعتنقت الإسلام منذ مدة.

ينصب عمل المجموعة على تصحيح الأفكار والتصورات في العالم الإسلامي، ومصاحبة ظهور حركة فكرية وعملية نسائية مسلمة بأوروبا، وأيضا تقديم قراءات للنصوص القرآنية والحديثية من وجهة نظر نسائية خالصة.

وتشعر المجموعة الدولية الجديدة بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقها وحجم العمل المنتظر منها. أهم التحديات التي تواجهها المجموعة تخريج نساء رائدات في مسلسل تحولات تعيشها المجتمعات التي توجد فيها.

كما عينت أسماء لمرابط أخيرا مديرة لمركز الدراسات النسائية في الإسلام بالرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب التي يرأسها حاليا الدكتور أحمد عبادي.

وفضلا عن عشرات من المقالات والمحاضرات والندوات والحوارات، لها ثلاثة كتب هي "مسلمة وكفى" 2002 عن دار التوحيد بفرنسا، و"عائشة زوجة الرسول أو الإسلام في المؤنث" 2003 دار التوحيد، و"القرآن والنساء قراءة تحرير" 2007 دار التوحيد. كل كتاب من كتبها مثل طفل وضعته في هذه الدنيا، "لا أفضل كتابا على كتاب، تقول، لأن كل واحد معلمة من معالم المشروع المتواضع حول القضايا النسائية. غير أني أحتفظ بكثير من الحنان لكتابي الأول "مسلمة وكفى"، والذي كان شرارة الانطلاق لمشروعي الفكري والتزامي الروحي".

الانقلاب الكبير

من صلب التغريب خرجت أسماء لمرابط، ومن بعيد عادت إلى الإسلام. لم تكن تعرف عنه شيئا، ولم يحدثها أحد يوما عن رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام رغم أنها كانت في مجتمع مغربي وأسرة مغربية ومدارس توجد بالمغرب لكن برامجها ومناهجها غربية خالصة. كان من الممكن أن تكون أسماء رقما يضاف إلى آلاف النساء المغربيات المتغربات، وربما كان لها شأن في مجال الكتابة باللغة الفرنسية، ولأغدق عليها الفرنسيون جوائزهم القيمة سواء في باريس أو في الرباط. ولكن القدر كانت له كلمة أخرى، وإذا تدخل القدر، فلا راد لأمره. فكيف عادت أسماء من التغريب، وأي حدث هذا الذي قلب حياتها رأسا على عقب؟

لندعها تحدثنا عن ذلك الانقلاب الكبير، فتقول: "عشت متغربة مغتربة عن انتمائي الديني، حتى جاء حدث سياسي ضخم هزني من الأعماق، ألا وهو حرب الخليج الأولى. هنالك هاجمني سؤال ملح عن هويتي الإسلامية، فملأ جميع الآفاق حولي ولم أعد أراه إلا هو. شعرت بأن القيم الغربية التي تلقيتها في طفولتي ودراستي دون تمحيص قد خانتني، وطعنتني. كان العدوان العسكري نقطة انطلاقي نحو إعادة التعرف على الإسلام. وساءلت نفسي أسئلة بسيطة مثل أي مسلمة أنا؟ وأين هو الإسلام؟".

بحثت أسماء حواليها عن أجوبة مقنعة، فلم تجد شيئا لأن التقاليد السائدة كانت تقدم صورا محزنة مؤلمة عن هذا الدين. دين بدأ يتسلل إلى أعماق قلبها دون أن تستطيع التعبير عنه لأنها لم تك تعرف عنه شيئا. فقررت البحث عن هذا الدين بنفسها، ودراسته دراسة متعمقة... لا تنسى أسماء تلك الرحلة رغم مشقتها لأنها انتهت إلى عالم النور لأول مرة، تقول "ما أروع وما أجمل ما عثرت عليه. اكتشفت روعة القرآن وجماله، ودهشت وأنا أدلف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم للتعرف عليه. يا لها من لحظات ممتعة عذبة معه ومع شخصيته الفذة، لا أزال أشعر بحلاوة تلك اللحظات حتى الآن. هل تصدقون أنه كانت تلك هي المرة الأولى التي أسمع فيها عن الرسول وأقرأ عنه، إذ لم يسبق لأحد أن حدثني عنه من قبل".

منذ تلك اللحظات تغيرت حياتها، وتركزت حماستها ومشاعرها على الإيمان والإسلام ودراسة كل ما يمت له بصلة. "إنه لمن دواعي الفخر أن ينتمي الإنسان إلى هذا الدين. والحمد لله الذي يختص برحمته من يشاء".

تحرير المرأة المسلمة بالإسلام

ورغم أن أوضاع الإسلام في العالم تصيب أسماء بالحسرة والحزن، فإنها آثرت أن تشغل نفسها بقضية واحدة لا غير، هي قضية تحرير المرأة المسلمة بالإسلام وتصحيح صورتها، خاصة في الأوساط الغربية. تقول إنها ركزت عملها وانشغالها على قضايا المرأة، لأنها امرأة، خاصة أنها مسلمة ترعرعت في بلد مسلم لكن التغريب غمر شخصيتها وهي في أطوار التعليم الابتدائي والثانوي. وثانيا لأن قضية النساء المسلمات ليست هامشية، بل هي قضية في غاية الأهمية وذات صلة بالعدالة الاجتماعية والمستقبل التربوي للأجيال المقبلة. فالمرأة المسلمة التي تعرف حقوقها وواجباتها امرأة واعية ذات قوة وثقافة ومؤهلة لخوض مزيد من الكفاح في سبيل العدالة داخل أسرتها ومجتمعها.

على الواجهة الدولية؛ تقول أسماء "أبذل قصارى جهدي ضد الصور الخاطئة النمطية عن الإسلام والنساء، لأني أشعر بالحزن وأنا أنظر إلى سوء الفهم الكبير تجاه هذا الدين الإسلامي الرائع، وهذا من المسؤوليات التي قبلت تحملها وعاهدت الله عليها".

وتؤكد أسماء أن المهمة ليست سهلة أبدا، ولكن بفضل الله وتوفيقه قطعنا أشواطا طويلة لم نكن نحلم بها من قبل، فهناك اليوم اعتراف دولي وغربي للعمل الذي قمت به، بالنظر إلى الكم المرتفع للجامعات الغربية التي تدعوني لتقديم محاضرات وندوات أكاديمية، وبالنظر أيضا إلى الترجمات التي حظيت بها كتبي.

أما على الواجهة الداخلية فلا يزال الخوف سيد الموقف في الذهنيات المسلمة في تقدير الكاتبة المغربية، لأن كثيرا من المسلمين لا يفهمون "الخطاب الغربي" ولا "المفاهيم الغربية" التي أستخدمها، في حين أنها ليست بالنسبة لي إلا طريقة لتقديم المبادئ الإسلامية اليوم بلغة جديدة ومعاصرة.

ومع ذاك فالأمل موجود والمبشرات بالخير حاضرة، فها هي الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب تضع ثقتها في أسماء وتعينها مديرة لمركز جديد للبحوث والدراسات النسائية في الإسلام. كما ترجمت كتابها الأخير "النساء والقرآن: قراءة تحرر" إلى العربية. أسماء تعتبر هذا تشريفا وتنويها بالعمل المتواضع الذي بدأته منذ سنوات مضت، "فمنذ عقد من الزمان لم أكن أتصور أن يأتي يوم كهذا ولله الفضل والمنة".

عائشة المثال الدائم

للحديث عن مكانة المرأة المسلمة تضرب أسماء المثل أينما حلت وارتحلت بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، مؤكدة أنها لم تكن امرأة عادية، بل كانت امرأة نادرة، في شخصيتها القوية وذكائها الحاد.

وتعلقت الكاتبة بأم المؤمنين عائشة، عندما اكتشفت عظمة هذه الشخصية في كتابها الأول بعنوان "مسلمة وكفى"، ثم قررت أن تخصص لها كتابا كاملا، ثم حضرت عائشة أيضا في الكتاب الثالث عن النساء والقرآن.

ترى أسماء أن عائشة رضي الله عنها هي تلك المرأة الرائعة والمثال الحي الدائم لأي تفتح وسمو للمرأة المسلمة سواء كانت في الغرب أو في الشرق، فعائشة رضي الله عنها عالمة راسخة ومفسرة مقتدرة ومحيطة باللغة العربية وحافظة موسوعية للأحاديث ومفتية مجتهدة وشاعرة ومربية ولها ملكات وخصائص عدة أخرى.

وقد سلكت للوصول إلى ذلك سبيلا متفردا فتحولت من الجهل إلى قمة العلم متصدرة طليعته، وهو ما يعتبر شيئا نادرا ومدهشا في زمن كان يحتقر النساء ويمتهنهن.

تؤكد أسماء أن كتابها ليس موجها للنساء وحدهن للاقتداء بعائشة رضي الله عنها، والقيام بواجباتهن والحصول على حقوقهن، بل هو أيضا حجج بينات لكل الرجال المسلمين حتى يشجعوا زوجاتهم وبناتهم وأخواتهم لخوض غمار الإصلاح الشامل، الذي لا يمكن أن يتم ولا أن يتقدم إلى الأمام إلا بمشاركة المرأة المسلمة لمواجهة التحديات الكبرى لتجديد الإسلام في عصر الحداثة المهيمنة.

وترد أسماء لمرابط على الانتقادات الموجهة إليها وعلى رأسها أنها لا تملك نصيبا من العلم يسمح لها بتفسير النصوص والنظر إليها.

وتقول إنني لست عالمة ولم أزعم ذلك يوما ما، غير أني مسلمة قارئة لكتاب الله وأحاديث رسوله، ولم أفعل شيئا أكثر من تقديم هذه النصوص الرائعة بلغة معاصرة للغربيين وللمسلمين المتحدثين بلغة فرنسية. وتعد أسماء لمرابط أحد وجوه الطريق الثالث في المسألة النسائية، إذ تنادي وتكتب عن "النسائية الإسلامية"، فالمرأة المسلمة في عالم اليوم تعاني من تطرفين هما تطرف باسم الإسلام يحكم عليها بالجهل والتزمت، وتطرف من الغرب يجعل منها خطرا عليه.

وترى أن الحل الأمثل للتحرر هو تمكن المرأة المسلمة من العودة بنفسها إلى أصول الإسلام قرآنا وسنة، ويعتبر كتابها عن عائشة رضي الله عنها تأصيلا وبرهانا على ذلك.

مع النسوانية المسيحية

من أهم ميادين العمل لدى أسماء وزميلاتها، التعاون مع المنظمات النسائية الغربية، وتبادل التجارب والأفكار. ومع مرور الوقت وتوالي اللقاءات اكتشفت أسماء أن الدافع الروحي البارز في سلوك المناضلات المسلمات له أثر بارز في تشجيع المناضلات النسائيات المسيحيات. تقول عن ذلك "ذات مرة، أسرت لي مناضلة نسائية مسيحية إسبانية أن حماسة المناضلات النسائيات المسلمات وشجاعتهن هي التي دفعتها إلى الدخول في المعركة النسائية من بابها المسيحي المعلن"، مضيفة أن "هؤلاء المسلمات يمتلكن إيمانا رائعا ودافعا قويا للدفاع عن مبادئهن وعقيدتهن". تعلق أسماء على هذا الأمر "أقول بكل تواضع، إنني كلما التقيت بهؤلاء المناضلات المسيحيات إلا وتجدد حماسهن وعزمهن ويفارقننا بعزم جديد على إظهار انتمائهن المسيحي".

ولذلك صارت أسماء تصر على إظهار هذا الدافع كلما سنحت الفرصة، ففي اللقاء الذي نظمته بفرنسا جمعية "المقاومة النسائية" في يناير 2008، بعد صدور كتابها "القرآن والنساء"، افتتحت كلمتها لتبين أولا وقبل كل شيء السر الذي أبقى جذوة الحماس مشتعلة في مسيرتها، ألا وهو البحث عن المعنى، والعاطفة الروحية، "فلولا هذا الإيمان العميق ما بقيت صامدة ماضية لغاية اليوم، وهذا جانب من أعمق الجوانب وأقواها في الإسلام يتحرك به المسلمون في حياتهم".

قصة ساركوزي

ردت الكاتبة المغربي أسماء لمرابط على وزير الداخلية الفرنسي نيكولا ساركوزي بخصوص كتابها "مسلمة وكفى". وجاء رد أسماء لمرابط بعدما انتقد ساركوزي تقديم الكتاب من لدن طارق رمضان في المواجهة التلفزية ليوم 20 نوفمبر 2003 "100 دقيقة من أجل الإقناع". وكان ساركوزي قدأشار إلى الكتاب متهما إياه بأنه يدافع عن العنف ضد النساء وأن طارق رمضان موافق على ذلك باعتباره كاتب المقدمة.

وقالت أسماء لمرابط إنها فضلت التريث وتجنبت الرد السريع على الوزير حتى لا يستغلها ساركوزي في حملته الانتخابية السياسوية. وأضافت إن الوزير المذكور حاول زعزعة طارق رمضان في برنامج ساخن بتوجيه التهمة إليه بمساندة العنف ضد النساء وهو ما جاء في الكتاب المذكور على حد زعم ساركوزي.

وأضافت أسماء لمرابط في مقال نشره الموقع الإلكتروني "أمة كوم" يوم 18 ديسمبر 2003 أن كتابها على العكس مما زعم الوزير كان يدافع عن كرامة النساء وحريتهن وتفتح شخصياتهن وأنه لم يكن أبدا داعيا إلى العنف ضدهن أو مشجعا على ذلك. وأكدت الكاتبة أن كتابها بعد أن استعرض مجموع النصوص القرآنية والنبوية تثبت أن الإسلام لم يوص أبدا بالعنف ضد النساء، وأن ساركوزي أظهر قلة أدب وحياء، وغيّر ما قلته تغييرا كاملا وساقه في غير محله ليصل على عكس النتيجة التي وصلت إليها. وعززت أسماء كلامها بدعوة القراء إلى قراءة الصفحات 50 و51 من الكتاب.

وفضحت أسماء لمرابط ما يقوم به كثير من المفكرين والسياسيين في الغرب برفض ميكانيكي سريع لأي اجتهاد نسائي يصدر عن المسلمات وأي دعوة منهن لتحرر المرأة على طريقة مخالفة لما يردده الغرب ويسعى دوما لفرضه على الآخرين، وأن هؤلاء المدعين يرفضون مجرد الإنصات للنساء المسلمات بدعوى أنهن مستلبات وآلات في أيدي أزواجهن وآبائهن. وعلى هذا استنتجت الكاتبة أن وزير الداخلية لم يكتف بالتهجم على طارق رمضان عن جهل وقصد سياسي، بل إنه لم يقرأ الكتاب إطلاقا، إذ لو قرأه لما صرح بما قال.

الحسن سرات

إسلام أون لاين

أضف تعليق

كود امني
تحديث

2013 جميع حقوق النشر محفوظة لموقع حركة التوحيد والاصلاح. Développé par NOOV