الجمعة, 02 أبريل 2010 11:07

منهج استنباط الأحكام الشرعية عند القرطبي/ رشيد لخضر

لقد وردت نصوص القرآن في أغلبها على شكل كليات وعمومات وإطلاقات، فكان ولا بد من بيانها وتقييدها وهو الدور الذي قامت به السنة النبوية فكانت بذلك منهلا من مناهل استنباط الأحكام الشرعية.

ولما كانت السنة النبوية بحرا مليئا بالأحكام ، قام العلماء ببلورة منهج رصين لاستنباط الأحكام منها ، لأن عملية الاستنباط هذه ليست ميسرة لكل من هب ودب ، وإنما هي مخولة لأولي النهى ، الراسخون في العلم ، والعارفون بالقواعد الشرعية واللغوية، وهو الدور الذي قام به "علم الأصول" الذي بفضله تمت معرفة طريقة استنباط الأحكام من الأدلة وكيفية استفادتها من مصادرها ، سواء أكانت كتابا أم سنة أم إجماعا أم قياسا، وبيان مراتب هذه الأدلة وما الذي يُقدَّم منها على الآخر، وبيان الطريقة التي ينهجها المجتهد عندما تتعارض ظواهر الأدلة وبيان تفاوت دلالة الألفاظ من حيث العموم والخصوص ، ومن حيث الإطلاق والتقييد ، والأوامر والنواهي .

ولقد حظيت هذه المناهج الأصولية باهتمام علماء الأصول لما لها من أهمية بالغة في استنباط الأحكام الشرعية من النصوص التشريعية ، الأمر الذي جعلنا نركز بحثنا هنا على هذه المسائل ناظرين إليها من زوايا مختلفة ، مركزين على مواقف وأراء أبي العباس القرطبي التي ستنور لنا الطريق ، وستوضح لنا كثيرا من الإشكالات، وصولا إلى تحقيق المقصود ، وهو الوقوف على أهمية هذه المناهج في استنباط الأحكام الشرعية.

منهج أبي العباس القرطبي من خلال العام


1 ـ تحديد مفهوم العام
ـ العام لغة:
عم الشيء عموما : شمل الأعم : الجمع الكثير من الناس ، وخلاف الأخص.
والعام: الشامل ، وخلاف الأخص[1] .

2ـ العام اصطلاحا :

لقد كثرت التعريفات لهذا المصطلح منذ ظهوره عند العلماء الأصوليين ، قديما وحديثا ، كل حسب منطلقاته، ولا يسعنا إلا أن نعرج على بعض الأقطاب الأصولية في تعريفاتهم لهذا المصطلح ، لكن على سبيل الإجمال لا التفصيل.

معلوم لدى الباحثين أن كتاب الرسالة للإمام الشافعي (ت204 ه) -رحمه الله- يعد الكتاب المُؤسس لعلم أصول الفقه ، لذلك فإن الإمام الشافعي اعتبر أول من أشار إلى مفهوم العموم والخصوص انطلاقا من تقسيمه للكلام إلى أربعة أقسام ، ثم يضرب لكل قسم مثالا.

يقول الإمام الشافعي :"فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها ، وكان مما تعرف من معانيها، اتساع لسانها وأن فطرته أن يخاطب بالشيء منه عاما ظاهرا يراد به العام الظاهر ،ويُستغنى بأول هذا منه عن آخره . وعاما ظاهرا يراد به العام ويدخله الخاص ، فيستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه. وعاما ظاهرا يراد به فيه.وعاما ظاهرا يراد به الخاص. وظاهرا يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره ، فكل هذا موجود علمه في أول الكلام أو وسطه أو آخره[2].

أما النموذج الثاني الذي سلك مسلك التقسيم أيضا في تحديد مفهوم العموم :الإمام ابن حزم الأندلسي ت 456ه ـ رحمه الله ـ حيث قال :" الكلام ينقسم ثلاثة أقسام: فمنه خصوص يراد به الخصوص ، كقولك : زيد وعمرو وما أشبه ذلك ، وعموم يراد به العموم ، ومعنى ذلك حمله على كل ما يقتضيه لفظه ، فمنه ما يكون إسما لجنس يعم أنواعا كثيرة ، كقوله تعالى: ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ ومنها ما يكون اسما لنوع ما ، كقوله تعالى: ﴿ والخيل والبغال والحمير﴾ فهذا عموم لجميع الخيل ولجميع البغال والحمير …والقسم الثالث : عموم دل نص القرآن والسنة على انه قد استثنى منه شيء ، فخرج ذلك المستثنى مخصوصا من الحكم الوارد بذلك اللفظ.[3]

ومن خلال هذين النموذجين يتبين لنا أن كلا من الإمام الشافعي والإمام ابن حزم قد اتفقا على الطريقة التي سلكها في التعريف بمفهوم العموم إلا أنهما اختلفا في النتيجة.

اتفاقا في قسمين وهما : العام الذي يراد به العموم ، والعام المخصوص ،واختلفا في مسألة تداخل العموم والخصوص،حيث نجد أن الإمام الشافعي قد أشار إلى هذا بقوله: العام الظاهر يراد به العام ويدخله الخاص بينما الإمام ابن حزم لم يشر إلى هذا الأمر لا من قريب ولا من بعيد.
وعند تصفحنا لبعض كتب الأصول، وجدنا أن هناك مسلكا مغايرا في تعريف العام وذلك عن طريق الحد لدى كثير من العلماء، وسنختار نموذجين من هذه التعاريف .

النموذج الأول : تعريف فخر الدين الرازي [4]: العام عنده " هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له - بحسب وضع واحد -"[5].

وغير بعيد من هذا التعريف وجدناه عند أبي عبد الله التلمساني المالكي [6] إذ يقول:" العموم وهو كون اللفظ مستغرقا لكل ما يصلح له"[7].
ومن خلال هذين التعريفين يمكننا القول بأن العموم هو كل لفظ مستغرق لما تناوله ولم يكن محصورا، فشرط الاستغراق هو الشرط الأساس في تعريف العام.[8]

مذاهب العلماء في إثبات العموم وصيغه


1ـ إثبات العموم منهج العلماء الأكابر ، إذ لا ينكره إلا نزر قليل لا يعتد بمخالفته ويؤكد هذه الحقيقة الإمام ابن تيمية فيقول ، وأما العموم اللفظي فما أنكره أيضا إمام ولا طائفة لها مذهب مستقر في العلم، ولا كان في القرون الثلاثة من ينكره. وإنما حدث إنكاره بعد المائة الثانية وظهر بعد المائة الثالثة .وأكبر سبب إنكاره إما من المجوزين للعفو من أهل السنة ،أو من أهل المرجئة من ضاق عطنه لما ناظره الوعيديه بعموم آيات الوعيد وأحاديثه فاضطره ذلك إلى أن جحد العموم في اللغة والشرع فكانوا فيما فروا إليه من هذا الجحد كالمستجير من الرمضاء بالنار"[9].

وحقا كان أصحاب المذاهب كلهم يثبتون العموم، فهذا الإمام مالك ـ رحمه الله ـ يعتمد على هذا الأصل في مواطن كثيرة في موطئه ، ومثال ذلك قوله بجواز الإعتكاف في المساجد سواء كان جامعا أو غيره انطلاقا من قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد ﴾يقول مالك -رحمه الله -: فعم الله المساجد كلها ولم يخص شيئا منها.[10]ونظير هذا كثير في مسائله.

وهذا الإمام الشافعي يستدل بالعموم في أكثر من مرة ، ومن ذلك استدلاله بقوله تعالى ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ فكل شيء من سماء أو أرض أو ذي روح و شجر وغير ذلك فالله خلقه.

ونفس المسلك سلكه الأئمة الأعلام كالإمام أبي حنيفة كما حكا ذلك عنه السرخسي في أصوله،[11] والإمام أحمد بن حنبل [12] وغيرهما من العلماء .
وهذا الفريق يسمى بأرباب العموم وهم الذين يُجرون الألفاظ على عمومها إلا ما دل الدليل على تخصيصه وقد استدلوا بعدة أدلة عقلية ونقلية [13].

أما الفريق الثاني : وهم الواقفية، أي: الذين يتوقفون في الألفاظ ،ومن هؤلاء أبو الحسن الأشعري .

يقول صاحب العدّة : وذهب أبو الحسن الأشعري وأصحابه إلى أن العموم لا صيغة له ، وأن الألفاظ التي لا تصلح للعموم والخصوص يجب التوقف فيها على أن يدل الدليل على أحدهما فيحمل عليه .[14]
وقد استدلوا بعدة شبه ذكر منها الغزالي ثلاثة وهي:

الشبهة الأولى : قالوا كون هذه الصيغ موضوعة للعموم : إما أن تعرف بعقل أو نقل، والنقل إما نقل عن أهل اللغة ،أو نقل عن الشارع ،وكل واحد إما آحاد وإما تواتر. والآحاد لا حجة فيه، والتواتر لا يمكن دعواه. فإنه لو كان لأفاد علما ضروريا، والعقل لا مدخل له في اللغات.

الثانية : قالوا أنا لما رأينا العرب تستعمل لفظ العين في مسمياته، ولفظ اللون في السواد والبياض والحمرة، استعمالا واحدا متشابها قضينا بأنه مشترك، فمن ادعى أنه حقيقة في واحد ومجاز في الأخر ، فهو متحكم.

والثالثة: قولهم إنه يحسن الاستفهام في قوله: "افعل" أنه للوجوب أو الندب فيحسن الاستفهام في صيغ الجمع أنه أريد به البعض أو الكل.[15]

ولقد انبرى الإمام الغزالي للرد على هذه الشبه بما يشفي الغليل ، ليظهر أن القول الحق ، هو قول أرباب العموم ، الذي هو الطريق المختار عنده لأنه لا يختص بلغة العرب وحدهم ، بل هو جار في جميع اللغات .

وأما الفريق الثالث وهم أرباب الخصوص فمنهم البلخى[16] من الحنفية والجبائي[17] من المعتزلة وهم القائلون بحمل صيغة العموم على بعض ما يقتضيه الاسم في اللغة دون بعض – كالواحد في الجنس والثلاثة في الجمع – والتوقف فيما وراء ذلك.

ومما احتج به هذا الفريق ما يلي :

قالوا:لم نجد قط خطابا إلا خاصا لا عاما، فإنما قصد به من بلغه الخطاب من العاقلين البالغين خاصة دون غيرهم.

وقد اعتبر الإمام ابن حزم أن هذا تشغيب جاهل متكلم بغير علم ، ونبه إلى أن ما ذكر من توجه الخطاب إلى البالغين العقلاء العالمين بالأمر دون غيرهم، إنما كان ذلك بنص وارد فيهم فهو عموم لهم كلهم، وذكر أنهم لم يقصد بالعموم كل موجود في العالم؛ وإنما المقصود هو كل من اقتضاه اللفظ الوارد، وكل ما اقتضاه الخطاب، فهذا هو المقصود بالعموم.[18]

كما ذكر ابن حزم أنهم احتجوا أيضا بقوله تعالى:﴿ تدمر كل شيء﴾ [الأحقاف:24 ]
وقال تعالى :﴿ ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ﴾[ الذريات: 42] وقال تعالى: ﴿وأوتيت من كل شيء﴾ وقد علمنا أن الريح لم تدمر كل شيء في العالم، وأن بلقيس لم تؤت كل شيء لأن سليمان عليه السلام أوتي ما لم تؤتى هي .
فبين ابن حزم أن ما احتج به هؤلاء لا حجة لهم فيه ،فأما الأول : قوله تعالى﴿تدمر كل شيء ﴾نبه ابن حزم على أن الله تعالى لم يقل ذلك وأمسك بل قال:﴿ تدمر كل شيء بأمر ربها﴾[الأحقاف :24] فصح بالنص عموم هذا اللفظ.

وأما قوله تعالى :﴿وأوتيت من كل شيء ﴾[النمل: 23] قال ابن حزم : فإنما حكى تعالى هذا القول عن الهدهد، ونحن لا نحتج بقول الهدهد وإنما نحتج بما قاله الله تعالى من خبر من نقل إلينا خبره ، وقد نقل تعالى إلينا عن اليهود والنصارى أقوالا كثيرة ليست مما تصح .

فإن احتجوا وقالوا: فإن سليمان عليه السلام قال للهدهد:" سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين" قال ابن حزم: نعم ولكن لم يخبرنا الله تعالى أن الهدهد صدق في كل ما ذكر، فلا حجة لهم في هذه الآية أصلا.

وهكذا يمضي الإمام ابن حزم في نقض حججهم واحدة واحدة، ليصل إلى إفحامهم وإبطال قولهم، وضرب مثالا بقوله تعالى: ﴿ وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم ﴾[ الأحقاف:25]، قال -رحمه الله -:" فأخبرونا على قوله تعالى في هذه الآية، إن سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم لم تغن عنهم شيئا أهو على عمومه؟ أم يقولون: إنها أغنت عنهم شيئا ؟ فإن قلتم كذبتم ربكم، وإن لم تقولوا، تركتم مذهبكم الفاسد، ومثل هذا في القرآن كثير جدا، بل هو الذي لا يوجد غيره أصلا في شيء من القرآن والكلام إلا في مواضع يسيرة، قد قام الدليل على خصوصها، ولولا قيام الدليل على خصوصها لم يحل لأحد أن يحملها على العموم، وبالله تعالى التوفيق"[19].

ـ وبعد هذا يتبين لنا أن المذهب الحق الذي وافق الصواب، هو مذهب أرباب العموم، وذلك لعدة أدلة منها:

أولا: أن الصحابة -رضوان الله عليهم- وهم أعلم وأفقه الأمة بنصوص التنزيل، كانوا يجرون ألفاظ القرآن والسنة على عمومها إلا ما دل الدليل على تخصيصه، والأمثلة على ذلك كثيرة، فكان هذا إجماعا منهم.

ومن هذا ما استند به أبو الوليد الباجي[20] في أحكام الفصول، قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾[ الأنبياء: 97] قال عبد الله بن الزبعري[21]: "والله لأخصمن محمدا"؛ فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: " قد عبد المسيح، وعبدت الملائكة أفيدخلون النار؟" فأنزل الله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾[ الأنبياء: 100]. وجه الدليل من ذلك انه احتج على النبي صلى الله عليه وسلم، بعموم اللفظ، وهو من أهل اللسان، ولم ينكر ذلك عليه النبي، وإنما أوجب بالتخصيص.

وذكر الباجي أيضا أن الصحابة وأهل اللغة متفقون على القول بالعموم، وكانوا يستدلون به في كل ما يرد عليهم من الأمر والأخبار، ولا يرجعون فيه إلا مجرده وظاهره[22].

ثانيا: أن إنكار صيغ العموم يؤدي إلى اختلال أوامر الشرع العامة كلها؛ إذ لا يصح الاحتجاج بلفظ عام، لأن كل واحد يمكنه أن يقول ليس في هذا اللفظ دلالة على أني مراد به. فبذلك تبطل دلالة الكتاب والسنة وهذا معلوم فساده يقينا[23].

ثالثا: ما أشار إليه الغزالي في كون صيغ العموم يحتاج إليها في اللغة، قال- رحمه الله-: " اعلم أن هذا النظر لا يختص بلغة العرب، بل هو جار في جميع اللغات، لأن صيغ العموم محتاج إليها في جميع اللغات، فيبعد أن يغفل عنها جميع أصناف الخلق فلا يضعونها مع الحاجة إليها[24]".

موقف أبي العباس القرطبي من العموم وصيغه


بعد أن استعرضنا مذاهب العلماء في العموم وصيغه، وتبين أن القول الحق هو قول أرباب العموم، أردنا ان نخص موقف أبي العباس بالقول لما له من خصوصية في بحثنا هذا.
يمكننا القول، بأن أبا العباس القرطبي من أرباب العموم المثبتين للعموم وصيغه، وهذا نجده منثورا في كتابه: " المفهم لما أشكل من شرح صحيح مسلم".

ومن الأمثلة التي تؤكد رأيه في الموضوع ما يلي:
عند حديثه عن التشهد في الصلاة وخصوصا قول عبارة: "على عباد الله الصالحين"، اعتبر أبو العباس أن هذا فيه دليل: على أن جمع التكثير للعموم، وعلى صحة القول بالعموم من غير توقف، ولا تأخير[25].

وقد وضح رأيه أكثر عندما ذكر مسألة وجوب الزكاة في الحُمر، فلم تكن نزلت آية جامعة في الموضوع إلا قوله تعالى:﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ﴾[ الزلزلة 8/9]. وسئل رسولنا صلى الله عليه وسلم عن زكاة الحمر فأجاب: " ما أنزل علي في الحمر إلا هذه الآية الفاذة الجامعة"[26]، واعتبر أبو العباس أن هذا القول حجة لمن قال بالعموم، فإن "شيء" من صيغ العموم، وهو مذهب الجمهور من الفقهاء والأصوليين[27].

وها هو يذكر لنا رأيه في إثبات العموم وصيغه صريحا واضحا حيث قال : لما نزلت ﴿و من يعمل سوءا يجز به ﴾[ النساء: 122] بلغت من المسلمين مبلغا شديدا، هذا يدل على أنهم كانوا يتمسكون بالعمومات في العلميات كما كانوا يتمسكون بها في العمليات. وفيه رد على من توقف في ألفاظ العموم[28].

بل إن أبا العباس قد ذهب إلى جواز حمل العموم على ظاهره ، والعمل به من غير بحث عن المخصصات عندما تحدث عن مسالة أكل ميتة البحر، قال وقول ابي عبيدة: " ميتة" أي هي ميتة، فلا تقرب لأنها حرام بنص القرآن العام، ثم إنه أضرب عما وقع له من ذلك لما تحقق من الضرورة المبيحة له، ولذلك قال: لا، بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اضطررتم فكلوا " وهذا يدل على جواز حمل العموم على ظاهره، والعمل به من غير بحث عن المخصصات، فإن أبا عبيدة حكم بتحريم ميتة البحر تمسكا بعموم القرآن، ثم إنه اسباحها بحكم الاضطرار ، مع أن عموم القرآن، في الميتة مخصص بقوله صلى الله عليه وسلم: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته". ولم يكن عنده خبر هذا المخصص، ولا عند أحد من أصحابه[29].

وهكذا يظهر لنا أن العباس من المثبتين للعموم وصيغه، وسيظهر لنا ذلك بجلاء أكثر عند تعرضنا لصيغ العموم وهي كثرية منثورة في كتابه.

صيغ العموم


لقد اختلفت تقسيمات العلماء لصيغ العموم بين مُوسّع ومضيق، فمن العلماء من أوصل هذه الصيغ على عشرين صيغة، كما فعل القرافي من المالكية فحددها فيما يلي : " كل وجميع، ومن، وما، والمعرف باللام، جمعا، ومفردا، والذي، والتي، وتثنيتهما، وجمعهما، وأي، ومتى في الزمان، وأين وحيث في المكان، واسم الجنس إذا أضيف، والنكرة في سياق النفي[30].

أما الإمام أبو الوليد الباجي فقد حصرها في ثمانية ألفاظ: لفظ الجمع كالمسلمين والمؤمنين والأبرار والفجار، ولفظ الجنس كالحيوان والإبل والناس، وهذان وهؤلاء والأسماء الموضوعة للاستيعاب كالكل والجميع والعموم والشمول والاستيعاب والاستيفاء والإسم المفرد إذا تعرف بالألف واللام، وما أضيف إلى شيء من هذه الأقسام وضمير التثنية والجمع نحو قولك: أنتما وأنتم وعليكما وما جرى مجراه.

وهذا على ضربين: فإن علم أنه أريد به العهد حمل عليهن وإن لم يرد معه قرينة تدل على العهد فقد اختلف أصحابنا فيه، فذهبت طائفة إلى أنه إذا ورد عاريا من القرائن حمل على الواحد، وبه قال الجبائي.وذهبت طائفة إلى أنه يحمل على العموم واستغراق الجنس، وهو الصحيح[31].
أما الإمام الغزالي فقد ذكر أنها خمسة أنواع عند القائلين بها:

الأول: ألفاظ الجموع، إما المعرفة، كالرجال والمشركين، وإما النكرة كقولهم: رجال ومشركون، كما قال تعالى: ﴿ ما لنا لا نرى رجالا﴾ [ص: 61] والمعرفة للعموم إذا لم يقصد بها تعريف المعهود، كقولهم: " أقبل الرجل، والرجال" أي المعهودون دون المنتَظرون.

الثاني: من وما إذا وردا للشرط والجزاء، كقوله عليه السلام: " ومن أحيا أرضا ميتة فهي له"[32]. و" على اليد ما أخذت حتى تؤديه " وفي معناه متى وأين للمكان والزمان، كقوله متى جئتني أكرمتك، وأينما كنت أتيتك.

الثالث: ألفاظ النفي، كقولك: ما جاءني أحد، وما في الدار ديّار.

الرابع: الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام، لا للتعريف كقوله تعالى: ﴿ إن الإنسان لفي خسر ﴾ [العصر: 01] وقوله﴿ والسارق والسارقة ﴾[ المائدة:40] أما النكرة كقولك: مشرك، وسارق، فلا يتناول إلا واحد.
الخامس: الألفاظ المؤكدة كقولهم: كل وجميع، و أجمعون، و أكتعون[33].
وإنما ذكرنا هذه النماذج من تقسيمات العلماء لصيغ العموم ليتبين لنا أن إمامنا أبا العباس القرطبي لم يكن بدعا منهم ، بل إنه أكد رأيهم في هذه الصيغ وهو الذي نجده قد أكثر من الاستنباطات الفقهية من خلال صيغ العموم، وهذه أمثلة تشهد لما نقول.

نماذج من صيغ العموم عند القرطبي


الصيغة الأولى: كل

تكاد هذه الصيغة أن تكون محل إجماع بين جميع العلماء القائلين بصيغ العموم، وذلك لأهميتها في إفادة العموم من حيث الإحاطة والاستغراق .
نقل الشوكاني عن القاضي عبد الوهاب قوله:"ليس بعد "كل" في كلام العرب كلمة أعم منها، ولا فرق بين أن تقع مبتدأ بها أو تابعة"[34]
ومدلولها : الإحاطة بكل فرد من الجزئيات إن أضيفت إلى النكرة أو الأجزاء إن أضيفت إلى معرفة، ومنه الإكليل لإحاطته بالرأس، والكلالة لإحاطتها بالوالد والولد، ومعناها التأكيد لمعنى العموم "[35].

ومن الأمثلة التي ساقها العلماء للتدليل على هذه الصيغة قوله تعالى ﴿ كل امرئ بما كسب رهين ﴾[الطور 19 ] ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر﴾[القمر 52 ]﴿ كل نفس ذائقة الموت﴾ [آل عمران: 185 ].
ونفس الأمر نجده عند أبي العباس القرطبي في استنباطاته من خلال هذه الصيغة وذلك في أكثر من مرة، من ذلك قوله عند تعليقه على قوله صلى الله عليه وسلم "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس "قال : ومعنى هذا الحديث : أن ما من شيء يقع في هذا الوجود كائنا كان إلا وقد سبق به علم الله تعالى ومشيئته سواء كان من أفعالنا أو صفاتنا أو من غيرها ولذلك أتى "بكل" التي هي للاستغراق والإحاطة وأعقبها بحتى التي هي للغاية حتى يخرج عن تلك المقدمة الكلية من الممكنات شيء ولا يتوهم فيها تخصيص ، ومثل صيغة "كل" هناك "جميع" و"أجمعون " و" سائر " وغيرها.[36]

الصيغة الثانية: الأسماء الموصولة من " ما، ومن، وأي…" وغيرها.

من الأمثلة التي ذكرها ابو العباس للتدليل على صيغة: "ما" قوله :"ومن باب قوله تعالى : "لله ما في السماوات والأرض " البقرة (283 ) ما هذه التي في أول الآية بمعنى الذي ، وهي متناولة لمن يعقل وما لا يعقل ، وهي هنا عامة لا تخصيص فيها بوجه لأن كل من في السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما خلق الله تعالى وملك له"[37].
وأيضا من خلال قوله تعالى :"إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله "يقول القرطبي : ماهذه أيضا على عمومها فتناول كل ما يقع في نفس الإنسان من الخواطر ما أطيق دفعه منها وما لا يطاق ، ولذلك اشفقت الصحابة من محاسبتهم على جميع ذلك ومؤاخذتهم به ، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : كلفنا ما نطيق بالصلاة والصيام ، وهذه الآية لا نطيقها فيه دليل أن موضوع ما للعموم وأنه معمول به فيما طريقه الاعتقاد كما هو معمول به فيما طريقه العمل ،وأنه لا يجب التوقف إلى البحث على المخصص ، بل يبادر إلى استغراق الاعتقاد فيه، وإن جاز التخصيص، وهذه المسائل اختلف فيها كما بيناه في "الأصول".[38]

الصيغة الثالثة: صيغة "أنى ومهما وأيان…وغيرها".

وسنأخذ مثالا للتدليل على صيغة "أنى " التي أصلها الاستفهام بمعنى من أين ، كما في قوله تعالى ﴿أنى لك هذا ﴾[آل عمران :37]، وإما بمعنى كيف ، كما في قوله تعالى ﴿أنى يوفكون﴾ [المائدة: 77 ]لذلك اختلف العلماء حول هذه الصيغة، وظهر اختلافهم في فهم قوله سبحانه وتعالى ﴿ نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [البقرة: 221] فصيغة "أنى" هنا ، هناك من حملها محمل كيف، ومنهم من قال أنى معناها "أين" مما نتج عنه غلط رهط كبير ، إذ فهموا من الآية جواز إتيان النساء في الأدبار ، لكن أبا العباس وجه هذه الآية من خلال صيغة "أنى" توجيهات مفيدة نذكرها على سبيل الإجمال:
أن قوله تعالى " فاتوا حرثكم أنى شئتم " تعيين للقبل فإنه موضع للحرث، فإن الحرث يكون في موضع البذر .

أنه لو سلم أن "أنى" شاملة للمسالك بحكم عمومها ، مخصصة بأحاديث صحيحة، ومشهورة، رواها عن الرسول صلى الله عليه وسلم إثنا عشر صحابيا بمتون مختلفة كلها متواردة على تحريم وطء النساء في الأدبار "[39]

الصيغة الرابعة: صيغ الجموع

إن الناظر في كتب علماء الأصول يجد أن أغلبهم قد أكثر من التفصيل في هذه الصيغ [40]، هذا فضلا عن علماء النحو ، والذي نختاره للحديث عن هذه الصيغ ما ذهب إليه إمام الحرمين الجويني ، الذي قسم هذه الصيغ على قدر مسيس الحاجة إليها إلى جمع سلامة وإلى جمع تكسير ، وعنهما تفريعات كثيرة مذكورة عند علماء النحو.

وبعد تقسيمه لكل نوع من أنواع الجموع وتوضيحه لكل نوع ذكر خلاصته في الموضوع ، يقول أما ما ذكرناه قبل تقاسيم الجموع من الشروط والتنكر في النفي ، فلا شك أنه لاقتضاء العموم ، ودليلنا عليه كدليلنا على تسمية العرب " جارحة" مخصوصة رأسا.

وأما الجموع : فجمع القلة لم يوضع للاستغراق قطعا ، وإجماع أهل اللسان على ذلك كاف مغن عن تكلف إيضاح ، واللغة نقل ،فليت شعري بما نتعلق إذا عدمنا ؟ وأما جمع الكثرة، فهو في وضع اللسان للاستغراق، فإن العرب استعملته قطعا مسترسلة على أحاد الجنس ووضعته لها ، ثم إن اتصل بها استثناء بقي مقتضى اللفظ على ما عدا المستثنى وإن كان مطلقا فمقتصاه الاستغراق فإن تقيد بقرينة حالية نزل على حسبها.

وانطلاقا من هذه التقسيمات خلُص الجويني إل حقيقة مفادها : أن الألفاظ تنقسم في منهاج غرضي أربعة أقسام :يقع اثنان منها في طرفين :في النفي والإثبات، ويتوسطان اثنان [41].
والحق أن هذه الحقيقة التي انتهى إليها إمام الحرمين الجويني تعتبر ذروة في التحقيق لم يبلغ حضيضها ، وهي منشأ اختباط كثير من الناس في عماياتهم.

ويبدوا أن أبا العباس القرطبي موافق للجويني وقد ذكر عدة أمثلة تبين مسعاه ، من ذلك تعليقه على قوله صلى الله عليه وسلم في التشهد " على عباد الله الصالحين" قال :بأن هذا فيه دليل على أن جمع التكثير للعموم ، وعلى صحة القول بالعموم".[42]


---------------------------------

[1]/ المعجم الوسيط: ص 229
[2] /الرسالة: للإمام الشافعي ، ص51-52
[3] /الإحكام في اصول الأحكام : لإبن حزم الأندلسي،ج3ص127/129.
[4] /هو محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، أبو عبد الله فخر الدين الرازي ، الإمام المفسر أصله من طبرستان ومولده في الري وإليها نسبته رحل إلى خوارزم وما وراء النهر وخراسان وتوفي في هراة، وأقبل الناس على كتبه في حياته يتدارسونها، وكانت وفاته سنة 606هـ ،ينظر: الوفيات ج1 ص 474 ، البداية والنهاية ج13 ص 55 .
[5] /المحصول في علم أصول الفقه: للإمام الرازي ج1ص513.
[6]/ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن يحيى الشريف الحسني ولد بتلمسان سنة 710هـ ونشأ بها، وقرأ القرآن على الشيخ أبو زيد بن الإمام يعقوب، وأخيه أبي موسى، وكان أول طلبه للعلم وهو ابن إحدى عشر سنة وارتحل إلى تلمسان سنة 740هـ فلقي ابن عبد السلام وأخذ عنه ،أنظر: الأعلام للزركلي 6/224
[7]/ مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول: لأبي عبد الله التلمساني، ص46 .
[8]/ينظر: الخطاب الشرعي وطرق استثماره :لإدريس حمادي ،ص77.
[9]/ مجموع الفتاوى :للإمام بن تيمية ج6ص163.
[10]/ ينظر :الموطأ للإمام مالك بن أنس ص 221.
[11] /أصول السرخسي :ج1ص253.
[12]/ ذكر ذلك عنه القاضي أبو يعلى في كتابه العدة في أصول الفقه ج2 ص 485
[13]/ ينظر: تفسير النصوص، لمحمد أديب صالح ص54.
[14]/العدة في أصول الفقه:ج2ص489.
[15] /المستصفى:ج2ص120/121.
[16]/ هو عبد الله بن أحمد بن محمد الكعبي البلخي أبو القاسم، وهو رأس الطائفة من المعتزلة تسمى الكعبية. له أراء خاصة في علم الكلام والأصول، وله مؤلفات في علم الكلام، تعقبه الماتردي ونقض أراصه ومؤلفاته ،(ت 931 ه)ينظر وفيات الأعيان لابن خلكان، وشذرات الذهب .
[17]/الجبائي هو: محمد بن عبد الوهاب، من مشاهير المعتزلة. ولد في جُبَّا في خوزستان ودرس في البصرة عن أبي يعقوب بن يوسف الشحام الذي خلف أبا الهذيل في التدريس. وأبو علي هو أيضا خلف أستاذه الشحام، وقد توفي في 915هـ .وهو من معتزلة البصرة الذين يختلفون عن معتزلة بغداد في قضية أفعال العباد خاصة .وكان لأبي علي تلميذان مشهوران :هم ابنه أبو هاشم ،وأبو الحسن الأشعري. ينظر شرح الكوكب ج1 ص219.
[18]/الإحكام في أصول الأحكام :لإبن حزم ج2 ص 363.
[19] الإحكام في أصول الأحكام، ج2 ص: 365-366.
[20] /أبو الوليد الباجي الحافظ العلامة ذو الفنون سليمان بن خلف سعيد بن أيوب التجيبي القرطبي الذهدي، ولد سنة ثلاث وأربعمائة، ورحل ولازم أبا ذر الحافظ، وتفقه بالقاضي أبي الطي الطبري، وابن عمروس المالكي. مات بالمرية تاسع عشر رجب سنة أربع وسعين وأربعمائة. ينظر طبقات الحافظ، جلال الدين السيوطي، ص: 439-440.
[21] /عبد الله ابن الزبعري بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم القرشي السهمي الشاعر، كان من أشد الناس على رسول الله طلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه بلسانه ونفسه، وكان أشعر الناس وأبلغهم. يقولون: إنه أشعر قريش قاطبة. قال أبو عمر رحمه الله: كان يهاجم حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ثم أسلم عبد الله عام الفتح بعد أن هرب إلى نجران.ينظر: الاستيعاب: ج3 ص: 901-409.
[22] /ينظر: إحكام الفصول في أحكام الأصول: لأبي الوليد الباجي، ص 234-235.
[23]/ روضة الناظر: لابن قدامة المقدسي، ج2 ص 123.
[24]/ المستصفى: ج2 ص 121.
[25] /المفهم: ج2 ص 35.
[26]/أخرجه مسلم:كتاب الزكاة:باب إثم مانع الزكاة رقم987ج1ص470.
[27] المفهم، ج3 ص: 29.
[28] المفهم، ج6 ص 546-547.
[29] المصدر السابق، ج5 ص: 220.
[30] /ينظر: العقد المنظوم في الخصوص والعموم ص286.
[31] /إحكام الفصول في أحكام الأصول، لأبي الوليد الباجي، ص، 231.
[32]أخرجه البخاري : كتاب الحرث والمزارعة ،باب: من أحيى أرضا مواتا .رقم 2335 ج1ص 509.
[33] /المستصفى:ج2ص110.
[34]/إرشاد الفحول: للشوكاني ص 110.
[35]/البحر المحيط: للزركشي ج3 ص64 .
[36]/المفهم : ج6 ص 670-671 .
[37]/ينظر المصدر السابق ج1 ص 335 وهذا فيه إشارة أيضا إلى مذهب الأشاعرة في اعتقاد ذات الله تعالى …يقول أبو العباس : وهذا إنما يتمشى على مذهب أهل الحق والتحقيق الذين يحيلون على الله تعالى أن يكون في السماء أو في الأرض ، إذ لو كان محصورا محدودا ، ولو كان كذلك، لكان محدثا.
[38]/ المصدرالسابق ج 1 ص 335-336.
[39] /المفهم :ج4 ص156-158 سبقت الإشارة إلى أن الإمام القرطبي له كتاب سماه "إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار " وهو مهم في هذا الباب لمن أراد التفصيل يقول عنه القرطبي " ذكرنا فيه غاية أدلة الفريقين، ومتمسكاتهم من الكتاب والسنة عن طريق التحقيق، والتحرير ، والنقل، والتحبير. ومن وقف على ذلك قضى منه العجب العجاب ، وعلم أنه لم يكتب مثله في هذا الباب ، وجمهور السلف، والعلماء وأئمة الفتوى على تحريم ذلك".
[40]/ ينظر على سبيل المثال : البحر المحيط للزركشي ج3 ص 86-90.
[41]/ البرهان : للجويني ج1 ص113-115 .
[42]/المفهم : ج 2 ص 35.

أضف تعليق

كود امني
تحديث

2013 جميع حقوق النشر محفوظة لموقع حركة التوحيد والاصلاح. Développé par NOOV