أضف تعليقك | | | | أرسل إلى صديق
 تشبيه المؤمنين بالكافرين والمنافقين ـ الحلقة الخامسة والأخيرة
رد الدكتور أحمد الريسوني على كتاب الأخطاء الستة...) للدكتور فريد الأنصاري
الدكتور أحمد الريسوني
alislah.ma 
لم أتعرض في هذه الحلقات للأفكار التي تبناها الأستاذ فريد الأنصاري، كآرائه في مسألة الشورى والديموقراطية، ومسألة التربية والعمل التربوي، ومسألة الحزب والعمل السياسي، ومسألة تبنيه لما أسماه بالتنظيم الفطري، البديل عما يسميه التنظيم الميكانيكي، وتفسيره لأسبابِ بعض التغيرات الاجتماعية، الواقعة في المغرب وخارج المغرب ... فلم يكن شيء من هذا غرضا لهذه الحلقات. وإنما هي مخصصة لبعض الكبائر المنهجية في الكتاب. أما الأفكار فأمرها هين وضررها محدود، سواء على صاحبها، أو على غيره، إن كان لها أصلا تأثير على غيره ... وبعد:
كلما وقفت عند واحدة من الآفات الأساسية لكتاب (الأخطاء الستة ...)، بدت لي أنها أسوأ من غيرها. لكن الكبيرة التي أتناولها في هذه الحلقة، قد تكون هي الأسوأ بالضرورة، لأنها تتعلق بسوء استعمال الآيات القرآنية، وبالإساءة إليها.
ومجمل القضية ـ قبل تفصيلها ـ هو أن الآيات الكريمة التي طبقها المؤلف على الحركة الإسلامية بالمغرب، تكاد تكون كلها واردة في المشركين والمنافقين والمرتدين!!
في الحلقة الماضية وقفتُ عند تشنيعه على الحركة الإسلامية، بكون "أصحابها لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى". وهو هنا يستعمل مضمون الآية الكريمة من سورة التوبة (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ). والآية بصريح ألفاظها وإجماع مفسريها، تتحدث عن صفات الكافرين المنافقين. ومثلها آية سورة النساء: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا).
وكان على المؤلف، حتى إذا افتقد اللياقة الخلقية مع إخوانه، ألا يفتقد الأمانة العلمية مع آيات ربه، وألا يفتقد اللياقة الإيمانية مع ربه ؛ فالكسل المذكور في الآيتين مراد به ـ عند كافة المفسرين ـ صلاة المنافقين، الذين لا يقومون إلى الصلاة إلا كارهين مكرهين، غير مؤمنين بها ولا راجين لثوابها. وهذه الصفة ـ وصفات أخرى للمنافقين ـ لا يعلم المتصفين بها إلا عَلاّمُ الغيوب.
لَمْزُ المؤلف للمؤمنين في إيمانهم، والطعن عليهم في دينهم، اتخذ صورا وتشبيهات عديدة، على مدى الكتاب كله ؛ فهو ليس هفوة أو فلتة عابرة، يمكن التغاضي عنها أو التقليل من شأنها. بل هو منهج معتمد عن سبق إصرار وترصد.
فمنذ الغلاف انطلقت شتيمة "الاستصنام"، ولم تتوقف إلى نهاية الكتاب. وهو يحكم على الحركة الإسلامية بأنها: « قد وقعت في نوع من "الشرك الخفي"، أو ما أسميناه بـ"الاستصنام المنهجي"."(ص 16).
والاستصنام المنهجي عند الحركة الإسلامية يتمثل ـ كما يرى ـ في « أشكال من التقديس لاختياراتها، والتنزيه لتصوراتها، ... فانتصبت أوثانا معنوية بعقلها ووجدانها ... » (ص18). ثم لا يلبث أن ينتفض ضد وثنيات أبناء الحركة الإسلامية، ومنها الوثن الديموقراطي، فيصرخ ضدهم قائلا: " ألا فتعساً لهم ولما يعبدون من دون الله! » (ص 80).
كل هذه المعاني والاتهامات استخدم المؤلف لتعزيزها وتسويقها آيتين كريمتين من سورة الأعراف، وردتا في عبَدَةِ الأصنام من بني اسرائيل، وهما قوله تعالى : (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
فقد افتتح كتابه بالآيتين، ثم عاد في أول بابه الأول إلى إيرادهما تحت عنوان: « ترجمة الباب: قول الله جل علاه: ... ».
ثم يعمد إلى مزيد من المطابقة والتشبيه التام، بين الحركة الإسلامية وعبَدَة الأصنام، فيقول: «إن اتخاذ "الحزب" في العمل الإسلامي هو أشبه ما يكون ب"اتخاذ العجل" في قصة بني إسرائيل! » (ص23)، ثم يعود ليؤكد « ثم جاء الحزب فأتى على ذلك جميعا، تماما كما دمر "السامري" كل الرصيد الإيماني لبني إسرائيل ...". (ص25). هذا مع العلم أن السامري نفسه، لم يدمر كل الرصيد الإيماني لبني اسرائيل، وإنما اتبعته طائفة منهم، وبقيت طائفة أخرى ثابتة مع هارون، وعلى عهد موسى عليهما الصلاة والسلام.
وفي حملته الصاخبة ضد الفصيل الطلابي لجماعة العدل والإحسان يقول : " وانطلق الفصيل "الياسيني" في الجامعة المغربية مثل ريح عاد: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا!) ... " (ص45)، ثم عاد ليستعمل هذه الآية ضد الجمعية الإسلامية بالقصر الكبير، فيقول: "ولكن ما أن ابتلى الله الجمعية بآفة العمل الحزبي حتى تسلطت عليها ريح عاد ! فأتت على منجزات العمل الدعوي كله، خاصِّه وعامِّه، وانطلقت السياسة (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا تَرَى إِلَّا مَسَاكِنَهُمْ)... " (ص 111-112)، مع أن تتمة الآية ـ للتذكير ـ هي : (كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ).
لو كان صاحبنا يريد مجرد التنبيه والتحذير، من دون السقوط في التشهير أو التدمير، لكان يكفيه التلويح والتهديد بتلك الصفات، دونما حاجة إلى هذا الحرص الشديد، على المماثلة والمطابقة والمزج، بين الكافرين والمجرمين والمنافقين من جهة، والمؤمنين الصالحين المصلحين من جهة أخرى.
وعجبا لرجل انسحب من الوحدة الاندماجية بين المؤمنين والمؤمنين، بدعوى أنها مجرد "إلحاق" لبعضهم ببعض، ثم لم يألُ جهدا لإلحاق المؤمنين بالكافرين وإنجاز"وحدة اندماجية" بينهم !!
حينما تحدث عن سجلماسة التي عرفتْ ـ في نظره ـ أكبر خسارة، جلبها لها حزب العدالة والتنمية، حيث خسرت أغلى ما تنتجه وهو الإنسان، لم يجد لتصوير هذه الخسارة إلا التشبيه ـ مرة أخرى ـ بحالة من حالات الكافرين المشركين، فقال هداه الله : " فما وجدتُ لضياع العمل التربوي هناك مَثَلا أدق مما أورد الله تعالى في حق مملكة سبأ! (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ). كذلك كان والله المستعان!" (ص 114).
ومرة أخرى، وحتى لا يشوش على هذا التماثل التام الذي يحرص عليه، تفادَى إيراد تتمة المعنى، وهو قوله عز وجل : (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ).
وحتى لو وقفنا عند الحد الذي وقف عنده المؤلف، فإننا نجد فيه قوله تعالى (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ ...)، وهو يعني أنهم كفروا بعد إيمانهم. قال العلامة ابن كثير عند تفسير هذه الآية : "وقوله : {فَأَعْرَضُوا} أي : عن توحيد الله وعبادته وشكره على ما أنعم به عليهم، وعدلوا إلى عبادة الشمس".
فهل هذا هو أدق مثال وجدتَه ـ يادكتورـ لأهل سجلماسة ولخيرة أبنائها، وهو تشبيههم بالمرتدين المشركين، عُبَّاد الشمس من دون الله ؟؟!! ، أكذلك كان ؟!
لا يستريح المؤلف حتى يردف لإخوانه وأهل بلده، تشبيها آخر من جنس ما سبق، حيث قال : «فعسى أن يمن الله بغيث طيب ينبت جيلا جديدا من المصلحين، فلا يأس من رحمة الله، وإنما الدين أمر الله : (أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ) [الأنعام:89]. (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ!) محمد:38.". (ص114)
طبعا لا يستطيع أحد أن يقول إن المؤلف يكفر المسلمين، أو يعتبرهم منافقين، لكنَّ المؤكد أن تشبيهاته المتكررة، وإلحاحه على تسجيل المطابقة والمماثلة بين المُشَبَّهين والمشبه بهم، تجعلنا في المحصلة النهائية، أمام أشباه كافرين وأشباه منافقين وأشباه مرتدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وأختم بكلمة ذهبية من صحيح البخاري، أذكِّر بها نفسي، وأقدمها هدية لأخي فريد، ولكل من ألقى السمع وهو شهيد، وهي لعبد الله ابن عمر رضي الله عنهما، حيث قال عن الخوارج : "إِنهم انْطَلَقوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِى الْكُفَّارِ فَجَعَلُوهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ."
2007/5/22

حركة التوحيد والإصلاح © Copyright 2008 

أضف تعليقك | | | | أرسل إلى صديق