سوء الظن واتهام السرائر ـ الحلقةالرابعة ـ رد الدكتور أحمد الريسوني على كتاب الأخطاء الستة...) للدكتور فريد الأنصاري الدكتور أحمد الريسوني alislah.ma من المنزلقات التي ذهب فيها أخونا مؤلف كتاب (الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب)، لجوؤه الكثيف والجريء، إلى الخوض في قلوب الناس وسرائرهم، واتهامهم في نياتهم وضمائرهم، ثم تكييف الظواهر والوقائع والتصرفات وتفسيرها بناء على ذلك. وهذه نماذج من هذا المسلك * يفتتح المؤلف نهجه المتمثل في اقتحام السرائر والمغيبات، بحكمه على "كثير من أبناء العمل الإسلامي" بأنهم انهمكوا في الهموم الدنيوية والسياسية، " ونسوا القضية الكبرى : قضية الإنسان مع خالقه، ومصيره في آخرته". لست أدري أهذه الجرأة على ناس نعدهم مجاهدين في سبيل الله، ونعرفهم ركعا وسجودا، والحكمُ عليهم بنسيان قضيتهم مع خالقهم ومصيرهم في آخرتهم، لست أدري هل هذه فتوحات ربانية أم وساوس شيطانية ؟! * وما دامت المعركة قد بدأت بقصف الرصيد الإيماني لأبناء الحركة الإسلامية، فأهونُ منه نفي إخلاصهم لدينهم ولربهم، ولكن هذه المرة بتعميم أشمل. يقول المؤلف : "لقد كان بإمكان الحركة الإسلامية أن تكون ما أرادت ، لو أنها أرادت وجه الله حقيقة " (ص32) . هكذا، وبجرة قلم طائشة، يجرد المؤلف الحركة الإسلامية من إخلاصها وصدقها، ويَصِمُها بالرياء والنفاق والزيف. وهذا الاتهام للحركة الإسلامية، بكونها لا تريد وجه الله حقيقة، يلتحم في مصب واحد ـ منهجا ومآلاـ مع اتهام الحركات الإسلامية وعامة دعاة الإسلام، في شتى أنحاء العالم، بكونهم يستغلون الدين ودعوته لأغراضهم وأهدافهم وطموحاتهم. * في الصفحة الموالية (33)، يشنع الكاتب على الحركة وأعضائها بقوله : "فلا بركة في حركة تثير النقع في وغى السياسات، وتشعل الخطب النارية في نوادي النقابات، وأصحابها لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى". فكيف عرف صاحبنا هذه "الحقيقة التاريخية" الثقيلة ؟؟ . ألم يعلم هذا القائل المتجرئ أن الله تعالى هو وحده من يعرف الذين لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى. نعم نحن نستطيع أن نعرف ـ بصورة عفوية أو بشيء من الفضول ـ من يأتون الصلاة في المسجد ومن لا يأتونها، ولذلك جاء في الحديث : إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان. أما التمييز بين من يأتونها فعلا، ومعرفة الذين لا يأتونها منهم إلا وهم كسالى، ومعرفة كونهم من أصحاب الحركة، فهذه ستكون أول مرة يصل فيها "التقدم العلمي" إلى هذا المستوى من الكشوفات ومن دقتها !! وهذا الكشف العلمي الجديد ، لابد وأن يمر عبر ثلاث مراحل : الأولى : هي فحص القادمين إلى الصلاة، لمعرفة من منهم "من أصحاب الحركة"، على أن تشمل العينات المستنطَقة كافة المدن المغربية. والثانية : هي إجراء التخطيط على القلب، لمعرفة هل هم آتون إلى الصلاة كسالى كارهين، أم هم على خلاف ذلك. والثالثة : هي إخضاع هؤلاء الكسالى للمراقبة المستمرة، للتأكد من كونهم دائمين ومنتظمين على هذه الصفة، أي لا يأتون إلا وهم كسالى. ولي عودة في الحلقة المقبلة ـ إن شاء الله ـ إلى هذه النقطة من زاوية أخرى. وننتقل إلى نماذج أخرى من علم السرائر. يتحدث المؤلف ـ رحمنا الله وإياه ـ عن أسباب انسحاب الأستاذ أمناس من الحركة، فيذكر أن جديته وصرامته الصحراوية "كانت سببا في مضايقته بأساليب شتى" (ص101). وأقول للأخ فريد : إذا كان الذين ضايقوا أخانا العزيز أمناس، قد اعترفوا لك بأفعالهم هذه، وإذا كانوا قد اعترفوا بأن مضايقاتهم تلك، كانت بسبب جديته وصرامته، فأخبرنا حتى نطمئن إلى خبرك ونتصرف بما يلزم. وإن لم يكن لا هذا ولا ذاك، فإلى الله المشتكى، عالمِ الغيب والشهادة. نعم كانت تقع في تلك الحقبة ـ بين بعض الإخوة ـ توترات ومساجلات حادة في بعض الأحيان، وكانت تضايقنا جميعا، وليس الأخ أمناس وحده. * تحدث أخونا المصَنِّف عمن أسماهم بالمُدَحْرَجِينَ من الحركة، وذكر منهم رئيسها الأول أحمد الريسوني، ورئيسها الأول للفريق البرلماني، الأستاذ مصطفى الرميد. أما أحمد الريسوني، فأمره هين ؛ لأني أعلم يقينا وعيانا، أن التآمرعلى دحرجته لم يقم به إلا شخص واحد، وقد فشل في مرات عديدة ومحاولات دؤوبة، ثم ساعدته الأقدار وتواطأت معه ـ في النهاية ـ فنجحت مؤامرته، ألا وهو أحمد الريسوني نفسه. وكل اتهام لغيره في هذا الموضوع ـ ولو بحبة رمل من الشبهة ـ فإنه مجرد تكهنات سياسية لا أساس لها، ولا مكان لها في دين ولا خلق. ومثل هذا يقال فيما ذهب إليه صاحب "الحقائق التاريخية"، حينما قال جازما : "لم تكن تصريحات الدكتور أحمد الريسوني الصحفية هي السبب الحقيقي وراء فقدانه لموقعه القيادي في الحركة ..."، وكذلك ما ذهب إليه في قضية (التجديد)، وحكاية المنفى الاختياري، وغيرها من التفسيرات التي تجمع بين جهل الباطن وعلم الباطل. ولمزيد من العلم والفهم أقول : لو فرضنا أن أحدا كان يريد أن يزيحني من هنا أو هنا، تقديرا منه أن ذلك هو الأنفع والأصوب، فأنا لا أنظر إليه إلا أنه يؤدي واجبه ويبرئ ذمته، وأنا شاكر مقدر له، وجزاه الله خيرا. وأما قضية أخينا الرميد، فالأمر فيها قد يلتبس على البعض، ممن يدمنون سوء الظن التفسيري للأحداث. ولكني مرة أخرى أشهد بشهامة الرميد وسمو أخلاقه ؛ فرغم كل ما أصابه وتوالى عليه، ورغم حساسيته المفرطة وانفعالاته الشديدة، فإني لم أسمع منه قط كلمة اتهام لإخوانه، ولا شممت رائحتها منه. أقول هذا، وأنا صفيه وجليسه المنفرد، خاصة في أعقاب الأزمات. نعم ينتقد الرميد على بعض إخوانه ـ وأنا معه ـ كونَهم يضعفون ويتنازلون أمام الضغوط التي تمارسها الأجهزة الوصية على التخلف، حماية لتخلفها العزيز. ولكنه يؤمن ـ وأنا معه ـ أن إخوانه إنما يفعلون ذلك اجتهادا منهم وتقديرا أن فيه مصلحة البلد، أو مصلحة الحزب، أو ما إلى ذلك ... * وقد تحدث مؤلف (الأخطاء الستة) كثيرا عما أسماه بالتيار المطيعي والعقلية المطيعية والسلوك المطيعي، مُرجعا هذه النسبة إلى الأستاذ عبد الكريم مطيع. والذي أقوله للأستاذ فريد، هو أن الإخوة الذين فاصلوا الأستاذ مطيع، كان أحد أسبابهم، بل سببهم المباشر في ذلك، هو الاتهامات الجزافية التي كان يوجهها لأهل الدعوة والحركة، وكان يطلب منهم ترويجها. وكثير من الإخوة ـ وكنتُ معهم ـ جلسوا مرارا مع مطيع، وأرادوا العمل معه، وبقي العائق الوحيد هو اتهاماته للدعاة وللجماعات الدعوية. أقصد أن أقول : إن اتهام أهل الفضل والصلاح والدعوة إلى الله، والإصرارَ على ذلك، هو السبب الذي شتت عمل "مطيع" وأفسد أمره، غفر الله لنا وله. وما أسميتَه بالمناورة والخداع، كان يومئذ متفهَّما في ظروف السرية والثورية. لكن الآفة التي لا تغتفر، هي محاولة تحطيم الناس بالاتهامات والشبهات ... وأنا اشهد أنني منذ عهد مطيع ـ ولعله اليوم متبرئ من عهده معفو عنه عند ربه ـ لم أَرَ موجة كثيفة من الاتهامات الجزافية، لأهل الدعوة والحركة الإسلامية، كالتي رأيتها في هذا الكتاب الفريد. وأنا لا أريد التفريق بين الاتهام بالعمالة للسلطان، والاتهام بالعمالة للشيطان، فكلاهما خطير وخبيث، من حيث قيامه على مجرد سوء الظن بالمؤمنين والإذاية لهم. ولكن إذا أردنا التفريق بينهما، فلا شك أن الاتهام بالعمالة للشيطان أشد قبحا وخطورة، لأن العمالة للشيطان شر محض، بينما العمالة للسلطان، قد يكون فيها أو في صاحبها، نفع أو خير أو صواب. لقد جعلت يا أخي من حركة التوحيد والإصلاح، أومن جزء كبير منها ومن قادتها، جماعةً من العقارب والثعالب والذئاب والسباع : لم يبرحوا حتى أكلوا رئيسهم وألقوا بقاياه في غيابة الجُبِّ، ثم لم يلبثوا أن أكلوا حركتهم، وذبحوا أخلاقهم، ونقضوا عهودهم، مع ربهم ومع إخوانهم ... آهٍ لقد ولغتَ وأوغلتَ كثيرا ... وصدقني ـ إن شئتَ ـ بأني استحييت واشمأززت ـ الآن ـ من نقل بعض فقراتك التي كنتُ بصدد نقلها والتعليق عليها... فحسبنا الله ونعم الوكيل. قال الله تبارك وتعالى { بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2)النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) فَلْيَنْظُرِ الْاِِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِر} فسرائر الناس إنما تبلى يوم القيامة، عند من يعلم السر وأخفى. أما نحن، فقد أمَرَنا الشرعُ أن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر. ولأنْ تُحسن ظنك بالناس حتى يقال عنك مُغَّـفَّـل وساذج وغبي، خير لك ألف مرة من شطارة ومهارة وبلاغة، تقوم على سوء الظن بالناس وبخيار الناس، حتى ولو كانوا يصيبون ويخطئون، ويحسنون ويسيئون. وكلنا ذلك الرجل. وفي محكم التنزيل أيضا { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ } وفي الحديث الصحيح : إياكم والظنَّ ، فإن الظن أَكْذَبُ الحديث ... إن مقولة "من الحزم سوء الظن"، إنْ كان لها من مكان، فمع الأعداء ومع الأشرار، لا مع الإخوة الأخيار. أما مع هؤلاء، فلا شك أن مقتضى الدين هو: "من الحزم حسن الظن"، أما سوء الظن بالناس، فسهل يستطيعه الجميع ويهواه الجميع. 2007/5/18|
|