أضف تعليقك | | | | أرسل إلى صديق
 هوامش في باب الوحدة (الحلقة الثالثة من رد الدكتور أحمد الريسوني على كتاب (الأخطاء الستة...)
الحلقة الثالثة من رد الدكتور أحمد الريسوني على كتاب (الأخطاء الستة...) للدكتور فريد الأنصاري
alislah.ma 
لاشك أن السمة العامة للكتاب الأخير للدكتور فريد الأنصاري، هي المبالغة المفرطة في التحامل والتهويل. وهي السبب الذي اضطرني إلى كتابة هذه التعليقات والتوضيحات.
المبالغة والتهويل يبدآن من غلاف الكتاب؛ حيث نجد عليه أربعة عناوين:
1 حقائق تاريخية ومقولات نقدية تنشر لأول مرة؛
2 ـ الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب؛
3 ـ انحراف استصنامي في الفكر والممارسة؛
4 ـ العقرب الخضراء، وهو العنوان الأكبر والأظهر على الغلاف !
وقد كنت أعتقد ـ وما زلت ـ أن للأستاذ الأنصاري قدرة بلاغية هائلة، تغنيه عن كثرة هذه التعبيرات المتعددة التي أثقل بها غلاف كتابه، وتغنيه بصفة خاصة عن اللجوء إلى الاستعانة بصورة رديئة بذيئة، كالتي تطالعنا في غلاف الكتاب.
كما كنت أعتقد أن لأخينا فريد من التواضع ومن الحصافة والحيطة العلمية، ما يمنعه من تعليق هذه اللافتة الدعائية والادعائية على رأس كتابه، قائلا فيها : "حقائق تاريخية ومقولات نقدية تنشر لأول مرة".
فأولا: أنَّى له أن يجزم أن ما قاله من "الحقائق التاريخية"، لم ينشر من قبل ؟ وقد كُـتِب في الموضوع الشيء الكثير؛ في الجرائد والمجلات والكتب والرسائل الجامعية والمواقع الإلكترونية...
وثانيا : هو يعرف جيدا أن الإخوة الذين عايشوا الأحداث والوقائع المعنية أكثر منه، والذين صنعوها وعالجوها، يتحرجون ويتعففون من الخوض في كثير من جزئياتها ومطوياتها، أدبا منهم في أنفسهم، واحتراما لبعضهم، واحتسابا عند ربهم. فالتقاطه بعضا من تلك "الحقائق" وإخراجه للناس، لا يجعل منه إنجازا جديدا وسبقا فريدا، يُتفاخر به على النحو المسجل على ناصية الكتاب.
وثالثا : فإن الجديد الحقيقي الذي أنجزه الدكتور فريد، إنما هو ضمُُّه تلك الجزئيات والمطويات ـ ما صح منها وما لم يصح ـ إلى ما عنده من تخمينات وتأويلات، لبناء نظريته الجديدة "نظرية العقارب والثعالب".
وأقف قليلا، في هذه الحلقة، مع بعض"الحقائق التاريخية" التي ذكرها الأستاذ فريد عن موضوع الوحدة؛ أعني الوحدة الاندماجية التي تمت سنة 1996، بين رابطة المستقبل الإسلامي وحركة الإصلاح والتجديد.

الوحدة بين النجاح والفشل
يَعتبر مؤلف (الأخطاء الستة) أن التضخم السياسي، ممثَّلا في حزب العدالة والتنمية، هو "أحد الأسباب الرئيسية في إفشال الوحدة الداخلية للحركة" (ص84).
وقبل الحكم بالفشل أو النجاح على الوحدة، لابد من القول : إن عملا تاريخيا من الحجم ومن النوع المتحدث عنه، له من الجوانب والأبعاد، ومن التداعيات والتأثيرات، مالا يمكن الحكم عليه في لحظة واحدة، وبجملة واحدة، ومن شخص واحد. فنحن لسنا بصدد تلميذ نجح أو رسب في مادة كذا أو قسم كذا، بل نحن أمام عمليات ووقائع ونتائج كثيرة ومعقدة وممتدة في الأزمان.
ونحن لو أخذنا أبسط مظاهر هذه الوحدة، وأيسرها على الرصد والتقدير، فسنجد أن ما لا يقل عن أربعة أخماس ممن دخلوا في الوحدة مازالوا مندمجين فيها. يصدق هذا على الأفراد، كما يصدق على الجماعات التي ذكرها المؤلف (ص 84 ـ 86).
وبناء على هذا، يمكن القول : إن الوحدة حققت نجاحا حقيقيا وكبيرا، ولكنه ليس تاما. أو نقول بلغة الفشل : لقد فشلت الوحدة فشلا جزئيا، أو نسبيا. والفشل النسبي يعني كذلك أن النجاح كان نسبيا، بغض النظر عن نسبة هذا وذاك. ويبقى أن الحديث عن الفشل المطلق، إنما هو ضرب من ضروب التحامل الذي ملأ الكتاب فأفسده.
وهذا الفشل الجزئي للوحدة، أيّاً كان مقداره، إنما وقع بسبب التراجع المبكر لبعض الرموز الذين يتبعهم عادة بعض تلاميذهم ومحبيهم بصورة آلية، ثم كذلك بسبب الجهود المضنية التي بذلها بعض "المحسنين"، عفا الله عنا وعنهم.
وبعد ذلك تأتي أسباب ثانوية مساعدة، منها الحزب والعمل السياسي عموما، ومنها غير ذلك من العوامل والمؤثرات التي لن يخلو منها زمان.
وإذا كان الحزب وتضخم عمله السياسي، سببا رئيسيا في إفشال الوحدة ـ على رأي المؤلف ـ فمَن أفشل المحاولات الوحدوية السابقة التي نحن مجمعون على فشلها ؟ لقد أفشلت وأحبطت من الأساس، ولم يكن عندنا يومئذ من الحزب، لا حاؤه ولا زايه ولا باؤه ؟!

وحدة الأشكال ووحدة الأقوال
يصر الأستاذ فريد على القول والإعادة بأن الوحدة "تمت بين الأشكال قبل أن تتم بين الأقوال"، وهو ما "أدى في النهاية إلى توحيد الأشباح دون توحيد الأرواح!" ( ص97+92).
ولعلم الأستاذ فريد، أو لتذكيره، فقد بقينا نخوض في "الأقوال"، أو في علم الكلام، على مدى خمس عشرة سنة شمسية. وخاضت كل الجماعات المعنية في تلك المناقشات، على فترات متصلة أو متقطعة، خاضت فيها مثنى وثلاث ورباع. وعلى سبيل المثال، فقد ذكر المؤلف نفسه، أن جماعة فاس قد أسهمت بقوة في التنظير لمشروع الوحدة (ص101). والحقيقة أن كثرة النقاشات وطول أزمانها، كانت مرارا ترجعنا إلى الوراء، بدل أن ننتقل بها إلى الأمام ...
ولو كنا بقينا نتناقش في الأقوال والأفكار والتصورات إلى اليوم، وإلى يوم القيامة، لما اتفقنا على النحو الموهوم المزعوم.
وأنت تعلم ـ يا أستاذ ـ أن ما كان بيننا من نقاش واختلاف وتعصب وتصلب، لم يكن لأجل قرآن ولا سنة، ولا عقيدة ولا عبادة، ولا خُلق ولا تربية، ولا حلال ولا حرام. وإنما كان، ولن يزال، بين أفكار حركية، وتقديرات سياسية، وخيارات مزاجية. فبعضنا كان يُهَوِّن هذه الأمور ويتساهل فيها، ويقول : نمضي، ونحسم ما بقي منها أو ما ظهر، في حينه، وفق نظامنا ومؤسساتنا. وبعضنا كان يستعظمها ويتشدد فيها، ويريد أن نمكث عندها حتى نتفق فيها. وقد كنت ومازلت، أتقرب إلى الله بالتساهل والتنازل في هذه الأمور إذا لزم الأمر. ولذلك لا يحرجني ولا يزعجني أن يقال : إن الوحدة تحولت إلى مجرد التحاق ...، وأن (حركة التوحيد والإصلاح)، هي مجرد نسخة منقحة ومزيدة من (حركة الإصلاح والتجديد)، وإن كان يزعجني ويؤلمني تحريف الأمور، بالزيادة فيها أو النقصان منها ... ويكون انزعاجي أكثر وألمي أشد، حينما تصبح الزيادة والنقصان منهجا مطردا، يتضخم مرة بعد أخرى. فلعل هذه المرة ـ وقد بلغت ما بلغت ـ تكون الأخيرة بعون الله تعالى ولطفه.
تحدث الدكتور الأنصاري في حقائقه التاريخية عن عدد من الانسحابات المتتالية من حركة التوحيد والإصلاح انتهت إلى "موت تدريجي للحركة" (ص 103).
فأما "موت الحركة" الذي كرره المؤلف مرارا، فالأمر فيه واضح وفاضح، ولا مزيد عندي ولا تعليق ...
وأما الانسحابات، فأمر صحيح في أصله. ولكن :
ـ هل هناك جماعة دينية، أو سياسية، أو رياضية، لم تقع فيها انسحابات ؟
ـ وإذا كانت الانسحابات تقع بصورة اعتيادية، وفي الجماعات التي تولد موحدة، وتُنسج بيد واحدة وعلى (موديل) واحد، فكيف بحركة ائتلافية، جمعت أشتاتا وأمشاجا وشظايا، على نحو ما ذكرتَه في كتابك (ص84ـ87)؟ وكيف إذا بُذلت لأجل هذه الانسحابات جهود محمومة غير محمودة ؟ خاصة وأن هذه الجهود المضادة انطلقت مع بداية الوحدة، بل حتى قبل بدايتها الفعلية؟
على أن حديثك عن الانسحابات، وإن كان صحيحا في أصله، لا يخلو من الآفة المعلومة المذمومة...
ـ فأولا، ليس كل من تظن انسحابهم، وتعلن ذلك نيابة عنهم، منسحبين فعلا. ومن هؤلاء على سبيل المثال "الأستاذ الفقيه محمد الروكي". فهذا الانسحاب المزعوم مجرد أمنية قديمة غير موفقة.
ـ وثانيا، ليس كل من انسحب، ممن سميته أو حسبته منسحبا، قد انسحب بسبب الوحدة "الفاشلة" وما يتصل بها. بل كثير منهم لهم أسبابهم وظروفهم وأعذارهم الخاصة، التي لا علاقة لها لا بمسار الوحدة ولا بحزب ولا سياسة. وبعض المصنفين "منسحبين"، كانوا متوقفين في إجازات "مرضية" طويلة الأمد، قبل الوحدة، ثم صاروا يُعَدُّون علينا من ضحايا الوحدة المنسحبين منها!!
بقي أن أذكر انسحابا واحدا، ذكره المؤلف بهامش الصفحة (101)، هو انسحاب الأخ الأستاذ محمد أمناس. ولئن كان المؤلف قد وصف الأستاذ أمناس بالجدية والصرامة، فأنا أضيف إلى ذلك الرجولة والشهامة. لقد بذل قصارى جهده وأبلى البلاء الحسن في إطار الوحدة، فلما بدا له غيرُ ذلك، جاءني على موعد إلى البيت، وأخبرني بقرار انسحابه من الحركة وشرح لي، أو أكد لي، أسباب انسحابه. وتناقشنا طويلا، فبقي على موقفه. وهكذا انسحب أمناس بصوت مسموع ورأس مرفوع، بدون التواء ولا اختفاء. فنِعْمَ الرجلُ أينما حل ونزل.
2007/5/15

حركة التوحيد والإصلاح © Copyright 2008 

أضف تعليقك | | | | أرسل إلى صديق